محمود ماضي
8
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
وفي مجال تعرية المنهجية الاستشراقية تساءل الفصل الثالث عن دلالة المعجزات على النبوات ، بمعنى : إذا تحققت المعجزة على يد مدعى النبوة فهل ينهض هذا دليلا على أنه مبعوث يوحى إليه ؟ فإذا دلت المعجزة على نبوة موسى وعيسى فكيف لا تدل على نبوة محمد وله من المعجزات ما لموسى وعيسى بل له ما هو أزيد وأوضح وأدوم ؟ جاء الفصل الرابع ليقيم الأدلة والبراهين على نبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » أما أوجه التشابه ، بل التطابق بين الوحي الإلهى إلى موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام فلا مرية فيه وإذا كان الدين واحدا لأنه صادر من مشكاة واحدة ، وإذا كانت صفات الوحي إلى محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » هي نفسها إلى موسى وعيسى عليهما السلام ، فما ذا يريد فلاسفة الاستشراق ؟ إن الادعاء سهل ، ولا سيما مع الضّغن . وعندما نتهم المستشرقين بالبعد عن الموضوعية فلأن كثيرا من دراساتهم للإسلام . ونبي الإسلام جاءت من خلال دراساتهم للإنجيل أو اللاهوت ، بل الواقع أن من هؤلاء المستشرقين من ينتظم باستمرار في سلك هيئات دينية وكنسية . فضلا عن وقوعهم في التميز المقصود إلى درجة سوء النية الإرادية والأهداف غير المعلنة « 1 » . ونحن لا نريد من المستشرق أن يكون مسلما - إلا إذا انتهت به أبحاثه ودراساته إلى ذلك - يعتقد ما يعتقده المسلم ، ولكننا نقول : ليس من الصعب - بل هو من المنهج العلمي - أن يضع المستشرق مفهوم المسلم لدينه في تعبير المسلم واصطلاحه ، وهو حين يفعل ذلك لن يكون أكثر اقترابا من المنهج العلمي الموضوعي فحسب ، ولكنه سيجعل نفسه في مركز أفضل لكي يدرك مكان نبوغ الإسلام بين أحداث التاريخ . هذه مناقشة صريحة لشبهات بعض فلاسفة الاستشراق تناولها الفصل الخامس بمباحثه الخمسة . وأخيرا لعل هذ البحث يكشف عن أهم أهداف فلسفة الاستشراق ، وهي « إبعاد سلطان الدين عن النفوس » « 2 » أما الوسيلة الفعالة إلى ذلك فهي التعليم حيث يقول « جب » : « والتعليم أكبر العوامل الصحيحة التي تعمل على
--> ( 1 ) - د . حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب ص 32 الدار الفنية بمصر 1411 ه 1991 م . ( 2 ) - ه . أ . جب : وجهة الإسلام ترجمة د . محمد عبد الهادي أبو ريدة ص 214 الطبعة الأولى القاهرة